::نساء خالدات / قصة سارة وهاجر .. دروس وعبر::
 31 / 01 / 2017 - 08:40

 تاريخ الإضافة :

خنساء فلسطين

تروى لنا كتب التاريخ والسيرة قصة سارة بأنها كانت ابنة عم النبي ابراهيم عليه السلام ، وكانت ذات حسن وجمال نادرين ، وقد روي بانها كانت اجمل نساء العالمين بعد حواء ، فتزوجها ابراهيم عليه السلام ورحل بها من فلسطين نحو مصر ، وعاش هناك فترة من الزمن وكان في مصر ملك ظالم جبار ، وصلته الاخبار بقدوم هذه المرأة الجميلة الى ارضه فارسل أتباعه يطلبونها له ، وقال لهم ان كان يرافقها زوج لها فاقتلوه!

ثم ان اعوان الملك ما لبثوا ان وصلوا الى ابراهيم عليه السلام ، فسألوه : من تلك التي معك ؟ فادرك قصدهم ، وعرف خطرهم فقال لهم : هي اختي ! وقصد في الله ، فاخذوها الى الملك الظالم ، فلما اراد هذا الملك مد يده نحوها قالت بدعاء الشريفة العفيفة : اللهم اني كنت تعلم ان آمنت بك وبنبيك ، واحصنت فرجي الا على زوجي ، فاكفني هذا الفاجر ..

لقد ادركت هذه المرأة الشريفة انه لم يعد لها من منجي ولا منقذ الا الله تعالى ، فدعته دعاء المخلصة لربها ولزوجها . لقد كانت قضية الشرف عندها عظيمة جدا ، وكذلك الفطرة الانسانية السوية .

وخلاصة قصة سارة زوجة ابراهيم عليه السلام ، فانها بعد ان دعت الله تعالى بهذا الدعاء تجمدت يده التي امتدت اليها في مكانها ، ولم يعد يستطيع الحراك ، فاصابه خوف وذعر شديدان ، وقال لها ماذا فعلت بي ، اطلقيني ولن امسك بسوء .. فخافت سارة ان يأمر بقتلها وقد تجمع حرسه وجنوده من حولها ، فدعت الله تعالى ان يطلقه فاطلقه..

لكنه للمرة الثانية عاد فكرر محاولته الدنيئة ظنا منه ان ذلك كان من عمل الشياطين ، ولكنها سارعت فدعت الله تعالى فتجمد مكانه مرة اخرى ، وعاد فطلب منها ان تطلقه ففعلت .. ولكن الظالم كررها مرة اخرى ، وحصل ما كان في المرتين السابقتين .

ولما رأى انه لا سبيل له عليها وادرك انها ذات عفاف لا يمكن ان يمس ، وان الله حافظها ومانعها منه ، امر حراسه ان يخرجوها وان يعيدوها الى بيتها محملة بالهدايا ، فقد اصابه الهلع والخوف مما رأى من امرها ، واراد ان يجتنب دعاءها عليه مرة اخرى ، واعطاها مع الهدايا جارية اسمها (هاجر) .

وهكذا عادت هذه المرأة الشريفة بكامل عفافها وكرامتها الى زوجها ابراهيم عليه السلام ، تزف له البشرى بتوفيق الله وكرامته . ولكن ابراهيم عليه السلام اوجس خيفة من هذه الارض فقرر العودة من جديد الى فلسطين .

ان قصة سارة فيها درس عظيم لكل امرأة ، سواء كانت مسلمة ام غير مسلمة فان شأن المرأة ان تكون ذات عفة وشرف ، وقد تساهلت شعوب كثيرة بهذا الامر اليوم ، ومنها الشعوب الغربية ، فاصبح الشرف في مفهومهم امرا بسيطا ، لقد عشت بينهم ردحا من الزمن وعرفت ذلك عنهم ، وان ذاك مما يهدد مجتمعاتهم اليوم ، ويقض مضاجع محلليهم الاجتماعيين ، فهم ينذرون بوقوع مخاطر اجتماعية شتى جراء هذا التساهل اللااخلاقي في المجتمع . ناهيك ذلك عن ملاجئ الايتام ، وضياع الانساب والعزوف عن الزواج ، مما ينشأ عنه انخفاض نسبة الولادات ، وتهديد المجتمع بنقصان التعداد العام ، وهذه مشكلة عامة في بلاد الغرب عموما.

ان المرأة حينما تضع اخلاقها وأمر عفتها وشرفها في اولى سلم اهتماماتها ، وتنأى بنفسها عن ان تقع فريسة لاصحاب الاغراض ، فإن ذلك لا يتعارض بتاتا مع ممارستها لحرياتها وواجباتها في بناء المجتمع ، بل على العكس ، سيكون ذلك ادعى لتكون حرة في ممارسة ما تشاء من الاعمال بعيدا عن اعين ضعاف النفوس ، واصحاب القلوب المريضة .

وعندما عاد ابراهيم عليه السلام الى فلسطين كانت نفسه تتوق للولد ، ولم يكن الله قد رزقه أي اولاد من زوجته سارة ، ومن منطلق حرص المرأة على مشاعر زوجها وحسن تفهمها وادراكها للامور، وحكمتها البالغة ، وخلاصها لزوجها ، رأت ان تختار له زوجة اخرى ينجب منها ما تحبه نفسه من الولد والذرية ، فاختارت له ان يتزوج (هاجر) فتزوجها ، وانجب منها ابنه اسماعيل عليهما السلام ، ثم ان الله تعالى امره بان يتركهما في وادي مكة ، وذلك وحي القاه عليه في النوم ، واستجاب الخليل لربه ، وسافر بزوجته وفلذة كبده الذى عاش عمره يحلم به ، وتركه في واد جاف قاحل لا كلأ فيه ولا ماء ، كما وصفه الله تعالى في كتابة العزيز : (ربنا اني اسكنت من ذريتي بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل افئدة من الناس تهوي اليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) (ابراهيم 37) .

وترك ابراهيم عليه السلام زوجته هاجر وابنه اسماعيل في هذا الوادي ،وعينه تكاد تدمع من الحزن ،وتناديه زوجته : كيف تتركنا في هذا الوادي وحدنا؟ ولكنها تستدرك كلامها لانها كانت تثق بزوجها ثقة كبيرة ، وكيف لا وهو ابو الانبياء وخليل الرحمن ! فقالت له : آلله امرك بهذا ؟ فقال لها : نعم فقالت: اذا لا يضيعنا .

هكذا بكل بساطة ، لا تحتاج المسألة لديها الى كثير استيضاح او تكرار اسئلة ،ان الله تعالى امر بذلك ، فعليها ان تمتثل لامر الله وارادته ، مع ثقتها بانه لا يضيعها ولا يخذلها . وهكذا يكون ايمان المرأة بربها تعالى ، وهكذا تكون ثقتها به ، لقد تركت هاجر لنساء الامة درسا ايمانيا بليغا في كيفية الثقة بالله تعالى والتسليم المطلق له ، وكيف يكون الصبر على البلاء والمصيبة وكيف يكون الرضا بقضاء الله تعالى سبيلا للدخول في جملة عبادة الصالحين .

وهكذا هى المرأة المجاهدة ، الصابرة التقية فليست حرية المرأة ان تكون ندا للرجل ، وان تجعل امر حريتها تحديا تنتزعه من ايدي الرجال ، لقد وقع الناس في خلط عظيم في هذا المفهوم ،والاسلام وضع نظاما خاصا محكما لمفهوم حرية المرأة وحقها في مجتمعات الرجال ،واوضح الدين الكريم ان المرأة ليست كالرجل فان لها طبيعتها الخاصة ، ومشاعرها الخاصة ، فعاملها من منطلق هذه الطبيعة وتلكم المشاعر ،وجعل لها مطلق الحرية في ميادينها التي تستطيع بها ان تبدع وتساهم في قيام الحضارة ،بل حظر على الرجل التدخل في اختصاصاتها تلك ، مثل شهادة المرأة في الانساب والرضاعة ، ففي هذه الامور تؤخذ شهادة المرأة على انها اقوى من شهادة الرجل ، لانها اكثر معرفة واطلاعا منه بهذه الخفايا .

لقد ايقنت هاجر رضى الله عنها ان من وراء هذا الاختبار فرجا ،ولكنها لم تكن تدري كيف السبيل وقد نأى عنها زوجها وتركها في مجاهل المكان النائي ، فجلست تضم صغيرها الى صدرها وتدعو الله ان يغفر لها . وما هو الا وقت قصير حتى نفد منها الزاد والماء ، وبدا صغيرها بالبكاء عطشا ، وبعاطفة الام الفطرية جعلت تبحث له عن الماء ،ولكنها لم تكن بعيدا عن طفلها خوفا عليه ، فكانت تبحث عن الماء ولكنها تبقيه على مرمى نظرها ، وهكذا كان سعيها بين جبلي الصفا والمروة سبعة اشواط تعتلي في كل مرة جبلا وتنظر حواليها علها تجد اثر ماء على القرب ، غير انها لم تجد الماء .

لقد ادركت هاجر رضى الله عنها ان لا وجود لحياة او لماء في هذا الوادي القاحل ، ولكنها كانت تعلم ان عليها ان تبذل وسعها و لا تستسلم ، ومع انها صعدت نفس الجبل ثلاث او اربع مرات الا انها كانت تعيد الكرة عطفا على طفلها ، واشفاقا عليه من الموت المحتم .

وعندما عادت اليه وقد بلغ التعب منها كل مبلغ ، ارسل الله رسوله جبريل فضرب بعقبه الارض ففجر منه نبعا ، وعادت الام لتجد عند ولدها نبعا من الماء ، بقدرة من الله تعالى كرامة لها ولطفلها ، فجعلت تزم التراب حوله كي يتجمع ، ولذلك سمي زمزم ، وقال صلى الله عليه وسلم : (رحم الله هاجر ام اسماعيل لو تركتها لكانت ماء معينا) رواه الامام احمد .

وهكذا يأتي الفرج بعد الصبر ، ويمر بالمنطقة اقوام يرون الطيور تحوم في السماء ، فيعلمون بذلك وجود الماء ، وعهدهم بالمكان ان لا ماء فيه فيرسلون الى هاجر يطلبون منها السكنى بقرب الماء ، فاستجابت لطلبهم ، انست بهم ، وهكذا بدأت هذه القرية (مكة) وتحصل لهاجر وابنها الماء والطعام والسكنى .

لقد جعل الله تعالى من قصة هاجر وطفلها مثالا للعالم الاسلامي ، وجعل من اركان الحج السعي بين جبلي الصفا والمروة تخليدا لقصة هذه المرأة العظيمة ، فكيف يتاح لقائل بعد هذا ان يقول: ان الاسلام لم يهتم بشأن المرأة ولم يعطها حقوقها ؟ أي فخر وتكريم جعله الاسلام للمرأة ففي كل عام يفد الحجيج الى بيت الله تعالى ويعيدون تذكر القصة الخالدة لهذه المرأة ،فهل مجد تاريخ من تورايخ الامم او حضارة من حضارتها قصة امرأة كما فعل الاسلام ؟ وهل هناك في العالم اجمع ـ المتحضر منه والمتخلف وما بينهما ـ امة تستعيد كل عام قصة سعي امرأة لاجل وليدها وتمشي على خطاها في حج ، بملايين من البشر كما يفعل امة الاسلام ؟.

اين العالم اليوم من سيرة الاسلام الرائعة في تعظيم وتكريم المرأة؟ اين العالم ليقرأ القرآن الكريم والسيرة النبوية العظيمة؟ ثم ليتأمل كيف نظر الاسلام للنساء ؟ لقد بالغ الاسلام في اعطاء المرأة حقها ، لانه اراد ان يخرجها من حياة الاستعباد والذل الجاهلية الى حياة الحرية والكرامة الانسانية المجيدة ، لقد كان من اخر كلامه صلى الله عليه وسلم قبل ان يفارق الدنيا ويودع اصحابة قوله :  (استوصوا بالنساء خيرا) فقد عرف عليه الصلاة والسلام ان الناس ستعود الى ظلم المرأة ، كما هو حاصل في ايامنا هذه فكانت تلك آخر وصاياه للمسلمين.

واخيرا ، لقد قال الله تعالى : (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الالباب) يوسف (110).

وان القرآن الكريم قد اورد لنا قصصا فيها غاية العبرة والعظة افلا يتعظ بها دعاة الحرية في مجتمعاتنا العربية والاسلامية ، ان المتشدقين بالمطالبة بحرية المرأة يجب ان يفهموا اولا ان حرية المرأة بنظرية الاسلام كانت هى النظرية المثالية ، وعليهم قبل ان يقلدوا اقواما آخرين في نظرتهم نحو المرأة ، ان يدرسوا ـ بعمق ـ نظرة الاسلام نحو المرأة ، ويفهموا ـ بتجرد ـ كيف رفع الاسلام المرأة وأعلى شأنها ، وبعد ذلك ليحتكموا الى قانون العقل والمنطق ، هل انصف الغرب المرأة ، او اوقعها في حبال الذل والمهانة كما نراها اليوم بادية على شاشات التلفزة والاعلانات والفضائيات وكل مكان استغلالا لها ، وجعلها بضاعة رخيصة ، او تجارة مربحة ، او عروضا ترويجية .. ان تلك الاسئلة بحاجة لمن يعيد ادراجها على منظمات حقوق الانسان ، والمؤسسات المهتمة بحرية الانسان وحفظ كرامته كي لا تداس وتمتهن وتباع وتشترى بأبخس الاسعار . 
 

[العودة إلى الخلف]  |  [الرجوع إلى الرئيسية]

جميع الحقوق محفوظة لموقع خنساء فلسطين© 2010