::أقلام وآراء / لينا الجربوني...مدرسة في العطاء والتضحية::
 14 / 04 / 2017 - 22:42

 تاريخ الإضافة :

لينا الجربوني...مدرسة في العطاء والتضحية

بقلم/ نيفين أبو شمالة

"لينا" فتاة فلسطينية شكلت مدرسة في العطاء والتضحية، في الصبر والصمود، قدمت نموذجاً يُحتذى في سلوكها وتعاملها مع أخواتها الأخريات القابعات معها في السجن، فهي الحاضنة والراعية لهن بحكم أقدميتها وخبراتها وإجادتها للغة العبرية، وهي مبعث القوة والإرادة والعزيمة للحديثات منهن، وهي من تمثلهن جميعاً أمام إدارة السجن، فهي الأخت والأم والمجاهدة والرفيقة والمتحدثة والمعلمة ، هي كل شيء لهن.

أسيرة فلسطينية، خرجت فكان انبعاثُ النورِ من عرابة البطوف قضاء عكا الساحلية , مدينةُ الجزار وشاهدة التاريخ, مورس عليها وعلى كل أهلنا الأسر له, وطمسُ الهويةِ العربية الفلسطينية , والكذب , لأنكم جزءٌ من دولةِ الكيانِ فلا تاريخَ ولا دمَ ولا عروبة يربطُكم بباقي فلسطين، الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، وتعيش داخل حدود الدولة العبرية، وتحمل الهوية الإسرائيلية ، ترفض الرحيل أو الاندماج في المجتمع الإسرائيلي، وتُصّر على التمسك بجذورها الفلسطينية وهويتها العربية والقومية، وتتمسك بحقها في مقاومة الاحتلال، لم تنكسر أو تستكين، ومن شدة آلامها تصدح في آذاننا صرخاتها، لتفتح وبقوة ملفها الشخصي بشكل خاص، وملف استهداف المرأة الفلسطينية بشكل عام وما تعانيه بعد الاعتقال من ظلم وقهر في سجون الاحتلال الإسرائيلي، واعتقد جازماً بأن من حقها علينا ومن واجبنا تجاهها نصرتها والوقوف بجانب كل أسيراتنا، بما يعزز من صمودها ويرفع من معنوياتها ويخفف من آلامها ومعاناتها ويُقرب من تحقيق حلمها بالحرية والعودة الى أهلها وشعبها، وبما يعزز من صمود أهلنا في المناطق المحتلة عام 1948 ويرفع من معنوياتهم، ويضع حدا لاستهداف المرأة الفلسطينية والاعتقالات المستمرة في صفوفهن.

وتبقى "لينا" فلسطينية المولد والنشأة، متمسكة بالهوية والانتماء. وتبقى حكايتها جزءاً من الرواية الفلسطينية الطويلة، ويبقى اسمها محفوراً في الذاكرة الفلسطينية.

فكان والدها الحاج أحمد قد اعتقل أواخر سبعينيات وبداية ثمانينات القرن الماضي وأمضى ثماني سنوات في السجون" الإسرائيلية"،و لينا الأخت الوسطى من بين تسع شقيقات وثمانية أشقاء رزق بهن الحاج أحمد الجربوني من زوجتين اثنتين، تلقت تعليمها الابتدائي والإعدادي والثانوي في مدارس القرية، كما أنهت دراسة الثانوية العامة في الفرع الأدبي عام 1992 غير أن وضع أسرتها المادي حال دون إكمال دراستها الجامعية.

اعتقلت "لينا" في الثامن عشر من نيسان/ابريل عام 2002 بتهمة الانتماء لحركة الجهاد الإسلامي ومساعدة رجال المقاومة في تنفيذ عملياتهم الفدائية وأنشطتهم ضد الاحتلال، وصدر بحقها حكما بالسجن الفعلي لمدة 17 عاماً، أمضت منها نحو خمسة عشر عاما بشكل متواصل، لتحفظ لنفسها لقب "عميدة الأسيرات" وأصبحت بذلك المتحدثة الرسمية بإسم الأسيرات في سجن هشارون أمام إدارة السجون وأقدمت على تعليم الأسيرات اللغة العبرية وطريقة إتقانها بحكم قضاء سنوات عمرها داخل الأراضي المحتلة، وأبرزت مهاراتها بتعليم الأسيرات لمهنة التطريز والخياطة، وكذلك إقامة دورات عديدة منها (الأحكام والتجويد والتفسير)، كما أنها اختيرت من وزارة شؤون المرأة الفلسطينية للقب امرأة العام لعام 2015م

وتعرضت لينا في بداية اعتقالها لتحقيق قاسي في مركز "الجلمة" لمدة 30 يوماً تعرضت خلالها لشتى أنواع التحقيق والاستجواب، على أيدي المحققين الصهاينة، بالإضافة إلى أشكال متعددة من التعذيب النفسي والجسدي والإهانة، ونقلها للعزل الانفرادي وحرمانها من النوم وتعريضها للشبح واعتقال ذوويها للضغط عليها، قبل أن تحكم عليها بالسجن سبعة عشر عاماً.
وعانت من العديد من الأمراض جراء الظروف القاسية وشحة العلاج واستمرار سياسة الاهمال الطبي المتعمد من قبل إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية.

وغيرها ما يقارب من 52 أسيرة من أمثالها عطاف عليان، قاهرة السعدي، منى قعدان، فلسطين نجم، شيرين عيساوي، إسراء جعابيص، دلال أبو الهوى، نوال السعدي، أمل طقاطقة وآخريات وآخريات،وكل واحدة منهن لها تجربتها الخاصة، والتي تتشابك بالطبع مع التجربة الجماعية للأسيرات الأخريات اللواتي انتمين لفصائل العمل الوطني والإسلامي، ويُقدر عددهن بأكثر من خمسة عشر ألف أسيرة منذ العام 1967، ومنهن من خاضت الاضراب عن الطعام رفضاً للاعتقال الإداري لأيام وشهور عدة قبل أن يقرر الأسرى الذكور مثل هكذا خطوات نضالية، ومنهن من وصلت أيام اضرابهن عن الطعام لثلاثة أيام بعد الأربعين وما يزيد، ومنهن من صدر بحقها أحكاما بالسجن المؤبد لمرة وأكثر لاتهامها بمشاركة الرجل في عمليات فدائية نوعية، ومنهن من أنجبت في السجن في ظروف هي الأقسى، لا يزلن في السجن قابعات بين جدران أربعة وداخل زنزانة معتمة أبرزهن الأسيرة لينا الجربوني.

ولقد لازمها هذا اللقب قسراً منذ سنوات مضت، فيما تحفر اليوم بصمودها وعنفوانها وثباتها، اسما عظيما في الذاكرة الفلسطينية، ومكانة عريقة في سجل التاريخ المشرق للحركة الأسيرة يمنحها أن تقف في مقدمة كافة الأسيرات الأخريات اللواتي سبقنها لتغدو عميدة الأسيرات عبر التاريخ. باعتبارها أكثر الأسيرات الفلسطينيات والعربيات في تاريخ الثورة الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي قضاءً للسنوات داخل سجون الاحتلال. هكذا يقول التاريخ وهكذا تشير الوقائع والوثائق.
طبعاً هذا يسجل لها، ويدفعنا للفخر والاعتزاز بها، ويسجل علينا لبقائها طوال تلك السنوات الطويلة دون أن ننجح في تحريرها، ونحن لم نكن نرغب في أن نسجل ذلك، حيث لا يعنينا أن نعدد السنوات بقدر ما يعنينا حرية أسيراتنا وأسرانا، ولم تكن هي الأخرى تتمنى أن تبقى في السجن سنوات طوال كي نقول عنها كذا. لكن القدر جعل منها ذلك. ولأن الواقع كذلك فان من حقها علينا أن نقول عنها أكثر مما قلناه، وأن نمنحها من الحق ما لم نقله بعد ولم يقله الآخرون بحقها. فهي مجاهدة من فلسطين تستحق منا كفلسطينيين وعرب ومسلمين الكثير الكثير.
"لينا" وبالرغم من مرور قرابة خمسة عشر عاما متواصلة وهي قابعة في زنزانة معتمة وبين أربعة جدران داخل سجون القهر والحرمان، وبالرغم مما مُورس ضدها من صنوف مختلفة من التعذيب الجسدي والنفسي، وما اقترف بحقها من انتهاكات جسيمة وما تعرضت له من ذل واهانة و معاملة لا إنسانية، وما لحق بها من أذى بأوضاعها الصحية فاقم من معاناتها. إلا أنها ظلت وستبقى صامدة وثابتة، تتمتع بإرادة صلبة وعزيمة لا تلين، منتصبة القامة تمشي، شامخة شموخ الجبال، عصية على الانكسار....لينا...هنيئاً لك الحرية .

.

 

[العودة إلى الخلف]  |  [الرجوع إلى الرئيسية]

جميع الحقوق محفوظة لموقع خنساء فلسطين© 2010