::فتاوى / أنقذوني من جحيم زوجي::
 21 / 11 / 2013 - 08:05

 تاريخ الإضافة :

أنقذوني من جحيم زوجي

خنساء فلسطين/ غادة عابد
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا امرأة منذ عشرين عاما تزوجت بالإكراه وغصب عني وما قبلت إلا خوفاً من أهلي ولعلي أجد في زوجي ما يعوضني حرمان السنين...... وتفاجأن بان الحياة معه ما هي إلا مصيبة قد حلت على رأسي..باختصار شديد أنا لا أطيق اقترابه مني لا وبل أمووووت واختنق منذ الليلة الأولى . صبرت عشرين عام والأمر يزداد سوءا يوماً بعد يوم...حتى إني هربت من فراشي مفزوعة لأج...
د راحتي بين أولادي..أنام بين أولادي كل ليلة هرباً من قبري الذي لم أجد فيه إلا ضيق النفس.. فتني في أمري يا شيخي الفاضل والله اكتب هذه الكلمات ودموعي تخنقني ..مع العلم أنني والحمد لله ملتزمة وصابرة واعرف مدي الجرم الذي افعله..
[الْجَوَابُ]
الأخت الصابرة: - حفظها الله تعالى- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
اللهم أهدنا لأحسن الأخلاق، فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنَّا سيئ الأخلاق، فإنه لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، والصلاة والسلام على المنعوت بأحسن الأخلاق نبينا محمد الذي وصفه ربه بقوله: "وإنك لعلى خلق عظيم" [القلم: 4] ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد:
بداية أشكر لك ثقتك الغالية وتواصلك معي عبر صفحتي، متمنيا لك دوام الصحة والعافية.
الأخت الصابرة: لقد قرأت رسالتك وهذا جوابها:
(1) اعلمي يا رعاك الله أن الزواج نعمة عظيمة، ومنحة من الله جسيمة، وقد امتن الله بها على كثير من عباده، وذلك من أجل عمارة الأرض، ومن أجل راحة الزوجين في هذه الحياة، قال تعالى ممتناً على عباده:
"ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" [الروم: 21] .
فمن أهداف الزواج وأغراضه النبيلة السكن بين الزوجين، والمودة والرحمة المتبادلة بينهما، أما إذا تحولت الحياة بين الزوجين إلى خصام وعتاب ونكد وإيذاء من كلا الطرفين فعندئذ يفقد الزواج الغرض الذي شرع من أجله، ومن ثم ينهدم بيت الزوجية، وتنتهي الحياة الأسرية، مما يكون لذلك الأثر السيئ على الفرد والمجتمع والأمة.
(2) الزواج رباط شرعي مقدس، قد سماه الله سبحانه وتعالى الميثاق الغليظ، ولذلك أحاطه الله سبحانه وتعالى بحصون منيعة كثيرة تمنعه من السقوط والاهتزاز، وأمرنا جميعاً أن نتعاون فيما بيننا، ونعمل على حماية هذا الصرح الشامخ من الانهيار، وذلك بكل الوسائل الممكنة والمتاحة لنا، وأن نتجاوز عن كثير من المشاكل والعقبات التي يمكن لنا غض الطرف عنها، والتي بدورها قد تؤدي إلى انهيار هذا البناء الأسري، ومن هذه الوسائل المعاشرة بالمعروف بين الزوجين، قال تعالى:"وعاشروهن بالمعروف" [النساء:19] .
(3) لقد وضع الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم- نظاماً للبيت المسلم، والذي به يضمن استمرارية الحياة الزوجية بين الطرفين، فقد جعل حقوقاً للزوجة على زوجها، وللزوج على زوجته، وأمر كلاً من الطرفين أن يعطي للآخر حقه ولا يقصر فيه، فمن حقوق الزوج على زوجته السمع والطاعة له ما لم يكن في معصية، وأن لا تعمل على إغضابه وإثارته، وأن تتجنب حدوث المشاكل التي تحدث بينهما قدر الإمكان، وإن حدثت بعض المشاكل فيجب أن تحل بأيسر الطرق وأحكمها.
وكذلك من حقوق الزوجة على زوجها، أن يحسن معاشرتها وأن يعاملها بالمعروف، وأن يتجاوز عن بعض الأخطاء ويعالجها بشكل شرعي.
الأخت الصابرة وفقها الله:
لقد سببت لي رسالتك -أيتها الصابرة- ألماً نفسياً شديداً بسبب هذه المعاناة التي صورتها كلماتك، وزاد ألمي وصفك لهذا الزواج بالقبر الذي لم تجدين فيه إلا ضيق النفس.
وأصارحك بأني لا أبرئك من خطأ يستثير زوجك، ويكون سبباً في قسوته وعدوانه، وأن عليك تفقد نفسك أن تكوني سبباً للإثارة، ولكني أعلم يقيناً أن الأخطاء لا تعالج بهذا العدوان، وأن خطأ الزوج الذي يتعامل بهذه القسوة أكبر من خطأ الزوجة، وأن هذا التعامل القاسي لا يصح صدوره من مسلم يخشى الله ويتقيه.
فأين هو -هداه الله- إذًا من قول الله -عز وجل-: "وعاشروهن بالمعروف" [النساء: 19] .
وقوله صلى الله عليه وسلم: "إني أحرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة" أخرجه أحمد (9666) ، وابن ماجه (3678) .
وقوله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله" أخرجه مسلم (1218) .
أين هو -هداه الله- من شهامة الرجل الذي ينظر للمرأة على أنها محل الرعاية والحماية والعطف، وليس على أنها ميدان لاستعراض القوة، وإظهار البطولات، وتحقيق الانتصارات، ولذا قالت العرب: "لا يكرمهن إلا كريم ولا يهينهن إلا لئيم، يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام".
أي بنيتي: إني أرى أن عليك أن تجلسي إلى زوجك في ساعة صفاء؛ تبثين فيها إليه -بكثير من الهدوء والمنطق والعقل- معاناتك، وتتحدثين معه على أنه زوجك وأقرب الناس إليك، وأنك ما صبرت هذا الصبر إلا محبة للبقاء معه، وكرهاً للبعد عنه.
حدثيه بأن الإسلام أسس لتعامل أسري رائع، وحياة دافئة ناعمة، بعيدة عن التوتر والخشونة؛ ليتحقق الإشباع العاطفي والاستقرار الأسري والصحة النفسية العالية لجميع أفراد الأسرة.
فللزوجة الحب وحسن المعاملة، قال -صلى الله عليه وسلم-: "حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك" صحيح البخاري (2742) ، وصحيح مسلم (1628) . وقال -عليه الصلاة والسلام-: "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله" أخرجه الترمذي (2612) ، وغيره.
حدثيه: أن الشريعة جاءت أيضًا بإقامة العوازل ضد تصرفات القسوة والعنف.
فهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول وهو يربي المجتمع لتخليصهم من أوضار الإرث الجاهلي: "لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يضاجعها في آخر اليوم" أخرجه البخاري (5204) . ولينظر إلى المقارنة الرائعة التي تبين أن دفء الاحتضان الليلي لا يمكن أن يكون ثمرة لشراسة العنف النهاري.
وعندما اشتكى نساء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ضرب أزواجهن تفاعل -بأبي هو وأمي- مع هذه الشكاية، فقال: "إنه قد طاف بأبيات آل محمد نساء كثير كلهن يشتكين أزواجهن، أولئك ليسوا بخياركم" أخرجه النسائي في الكبرى (9176) .
وقد كان صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة في ذلك، فهو زوج لتسع نسوة، وأب لبنات وأحفاد، ومع ذلك ما ضرب -صلى الله عليه وسلم- بيده امرأة ولا خادمًا ولا أحدًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله.
بل كان صلى الله عليه وسلم هو الحماية والملاذ للزوجة، فقد مر أبو بكر -رضي الله عنه- ببيت عائشة، فسمع صوتها مرتفعًا، فاستأذن ودخل غاضبًا على ابنته، وهو يقول: ترفعين صوتك على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهمَّ أن يتناولها بيده، فلم يكن لها ملاذ إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي حماها منه، وخرج أبو بكر ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينظر إليها، ويقول: "كيف رأيتيني أنقذتك من الرجل" أخرجه أبو داود (4999) ، وغيره.
حدثيه يا بنتي: أن العنف والقسوة في الأسرة سبب نضوب العاطفة، وبناء عوازل نفسية بين أفراد الأسرة ورب الأسرة، وأن هذا العنف يحول علاقة الحب إلى رعب، والتآلف إلى نفرة.
إن المرأة مهما كانت نبلاً ومثالية لن تعطي لزوجها وآثار عنفه على جسدها، ولن تبادله حبًا وعاطفة وآثار جراحاته النفسية غائرة في وجدانها، ولذا تقع هذه المرأة عرضة لأنواع الإصابات النفسية الشديدة التي تعوقها عن القيام بدورها زوجة وأماً.
ذكِّريه أن الأب والزوج القاسي لن يكون مصدرًا للتوجيه، ولا نموذجًا للقدوة، وصلوات الله على خير معلّم للناس الخير، حيث قال: "إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف" صحيح مسلم (2593) . "إنها رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء" صحيح البخاري (1284) ، صحيح مسلم (923) .
ذكِّريه أن قوته عليك فوقها قوة الله الذي وهبه قوته، وقد يسلبها منه في أي لحظة، أو يسلِّط عليه من هو أقوى منه، وأن الله -عز وجل- يملي للظالم ثم يأخذه بعزته وقهره "ولا تحسبن الله غافلاً عمّا يعمل الظالمون" [إبراهيم: 42] ، "دعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب -عز وجل-: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين" أخرجه أحمد (9743) .
حدثيه بهذا ومثله، فإن كان ممن يخشى الله، فقد قال الله: "سيذكر من يخشى" [الأعلى: 10] . وتكونين قد أديت واجبك نصحاً وتفاهماً.
أي بنيتي، إني أخشى أن يكون زوجك -هداه الله- مأزوماً بأزمة نفسية، ويجعلك محطة تفريغ انفعالاته المريضة، ولذا فإن المواجهة توقف هذا النوع عند حده، وتشعره أن التمادي بلا حدود لا يمكن استمراره.
فإن توقف وارتدع فالحمد لله، ولعلها تكون نهاية المعاناة، وأن يؤلف الله بينكما بحياة مستقرة هانئة.
وإن أدى ذلك إلى أن يطلقك ويذهب عنك، فلا أظنك ستخسرين ما يؤسف عليه، وسيغني الله كلاً من سعته، وكان الله واسعاً حكيماً.
عزيزتي: أرجو أن تكوني ممن أحبهم الله فابتلاهم في دنياهم، كما أرجو أن تكوني ممن إذا ابتلي صبر.
عزيزتي: أقترح لك لإنهاء هذا الإشكال ما يلي:
1- الاستغفار: أكثري منه، واعلمي أن من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، استغفري بالليل والنهار، أثناء عملك وأثناء خروجك، وفي كل وقت؛ فقد أثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أنه يستغفر في اليوم والليلة مائة مرة فيما روه مسلم (2702) من حديث الأغر المزني - رضي الله عنه -.
2- الدعاء: الجئي إلى الله بالدعاء وأنت مؤمنة بأن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه سبحانه القادر على تحويل حالك؛ قال تعالى: "أمن يجيب المضطرَّ إذا دعاه ويكشف السوء" [النمل:62] .
3- اعلمي أن طلب الكمال محال، فكما أن المرأة فيها نقص ينبغي للزوج تحمله، فكذلك في الزوج نقص ينبغي للزوجة تحمله، فيكمل كل منهما الآخر.
4- استعيذي بالله من الشيطان الرجيم؛ فإنه هو الذي يعظم عليك المشكلة ويكبرها في نظرك؛ لأن من أهم ما سعى إليه - أعاذ الله منه- التفريق بين المرء وزوجه.
وأخيراً أنصحك بما يلي:
(1) اعلمي أن من أسباب دخول الجنة طاعة الزوج ورضاه، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راضٍ دخلت الجنة" رواه الترمذي (1161) وابن ماجة (1854) من حديث أم سلمة - رضي الله عنها -، وقال عليه السلام: "انظري أين أنت منه فإنه جنتك ونارك" رواه أحمد (26806) من حديث الحصين بن محصن - رضي الله عنه -.
(2) الحياة الدنيا ما هي إلا مرحلة انتقال نتزود فيها لدار القرار، فاحرصي على التزود منها بما يقربك لله.
(3) قال تعالى: "ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم" [فصلت:34] ، جربي إحسان التعامل، وغض الطرف، والصفح والعفو، وستجدين بإذن الله أفضل النتائج.
(4) احرصي على بقاء الود بينكما لأجل الاولاد؛ فإن من أكثر ما ينغص على الأولاد تخاصم الأبوين.
(5) لا تعرضي مشكلتك إلا على من تثقين في دينه وحكمته ممن حولك؛ لأن البعض يعظم الأمر الحقير، ويثير في النفس ما لا يستحق الإثارة.
(6) لا تعطي نفسك هواها في شدة الكره أو التحامل على هذا الرجل؛ فإنه الزوج، والنفس أمارة بالسوء.
وختاماً - أخيتي الفاضلة- أنصحك بسماع سلسلة أشرطة: (بيوت مطمئنة) ، للشيخ الفاضل/ د. ناصر العمر، وهي عبارة عن ثلاث إصدارات، الأول عن علاقة الزوجين بعنوان: (لتسكنوا إليها) ، والثاني: عن علاقة الآباء بالأبناء بعنوان: "وأصلح لي في ذريتي"، والثالث: عن علاقة الأبناء بالآباء، بعنوان: "وبالوالدين إحساناً".
أسأل الله بمنه وفضله أن يصلح حالك، ويوفق بينكما، ويصلح ولديكما؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.
اللهم حبب أمتك لزوجها وحببه إليها، وحننها عليه وحننه عليها، وآلف بين قلبيهما، واجعلهما من خير زوجين في أرض المغرب المبارك.. آمين.
أعانك الله، ويسر أمرك، وفرج همك، ونفس كربك، والسلام عليك.
هذا والله أعلم، نسأل الله أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

[العودة إلى الخلف]  |  [الرجوع إلى الرئيسية]

جميع الحقوق محفوظة لموقع خنساء فلسطين© 2010